روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
446
عرائس البيان في حقائق القرآن
ناظرة إلى ربها ، فيدعون إلى السجود من حيث غشيتهم أنوار العظمة حتى لا يحترقون في كشف ستر الصفة ، فإنها موضع العظمة والكبرياء ، وبدو لطائف أنوار أسرار الذات ، يظهر في لباس الالتباس حتى لا يفينهم فناء لا بقاء بعده ، والمقصود منه زوائد المحبة ، والنظر إلى وجود العظمة . قال جعفر : إذا التقى الولي مع الولي انكشفت عنه الشدائد . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 44 إلى 47 ] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) قوله تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) : وصف اللّه سبحانه في حقيقة الإشارة أهل السكر في المشاهدة ، إذا وصلوا محض الاتصاف والاتحاد غابوا في غيبتة ، واستغرقوا في بحار ألوهيته ، وفنوا من أوصاف الحدوثية بعد انتعاتهم بنعوت الألوهية ، وصاروا باقين بنعته لا يرون وصفهم ، ويرون وصف الحق ، فكادوا أن يخرجوا بدعوى الأنائية ، فإن اللّه سبحانه سيأخذ أنوار شموس الذات ، وأقمار الصفات عن عيون أرواحهم قليلا ، قليلا ، وهم لا يعلمون من غلبة سكرهم وحلاوة أحوالهم حتى يغيب أنوار الغيب عن أبصار أسرارهم ، ويبقيهم في عرصات الصحو حتى يروا أنفسهم في مقام الغيبة والاستتار . قال الواسطي : لو كشف للخلق لصاروا حيارى ، ولكن يبدأهم بالتلبيس والسر ، ثم يكشف ؛ ليعرفوا قدر ما هم عليه ، وأما الغاية فهو الاستدراج . قال أبو الحسين بن هند : « المستدرج » السكران ، والسكران لا يصل إليه ألم فجع المصيبة إلا بعد إفاقته ، فإذا أفاقوا من سكرتهم خلص إلى قلوبهم ذلك ، فانزعجوا ولم يطمئنوا ، و « الاستدراج » : هو السكون إلى الذات ، والتنعم بالنعمة ، ونسيان ما تحت النعم من المحن ، والاغترار بحلم اللّه عزّ وجل . قال أبو سعيد الخراز : « الاستدراج » : فقدان اليقين ؛ لأن باليقين تستبين فوائد باطنه ، فإذا فقد اليقين فقد فوائد باطنه ، واشتغل بظاهره ، واستكثر عن نفسه حركاته وسعيه لغيبوبته عن المنة . قال بعضهم : لولا الاستدراج لا يخلو العبد منه في وقت من الأوقات ، ولولا الاستدراج لما عرف العبد طعم الكرامة ، ولما انزجر عن العقوبة ، فبالاستدراج يعرف العقوبة ويخلق المقت ، وبالانتباه يعرف النعمة ويرجو القربة . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 48 إلى 52 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 )